الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

122

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

في آخر الزمان » ، قال : وما الفتنة يا رسول اللّه ؟ قال : « يفتك الناس بإمامهم ثم يشتجرون اشتجار أطباق الرأس » ، وخالف - صلى اللّه عليه وسلم - بين أصابعه ، يحسب المسئ أنه محسن ، ودم المؤمن عند المؤمن أحلى من شرب الماء البارد . فانظر إلى هذا التعبير البارز من مشكاة النبوة ، محشوّا حلاوة الحق ، مكسوّا طلاوة الصدق مجلّوا بأنوار الوحي . والأسفع : الذي أصاب جسده لون آخر . والأحوى : الأسود الذي ليس بالشديد . والمسكتان : السواران من ذهب . وأطبق الرأس : عظامه . والاشتجار : الاختلاف والاشتباك . فإن قلت : تعبيره - صلى اللّه عليه وسلم - السوارين هنا يرجع إلى بشرى ، وعبرهما بالكذابين فيما مر . أجيب : بأن النعمان بن المنذر كان ملك العرب ، وكان مملكا من جهة الأكاسرة ، وكانوا يسورون الملوك ويحلونهم ، وكان السواران من زي النعمان ليسا بمنكرين في حقه ، ولا موضوعين في غير موضعهما عرفا ، وأما النبيّ فنهى عن لباس الذهب لآحاد أمته فجدير أن يهمه ذلك لأنه ليس من زيه ، فاستدل به على أمر يوضع في غير موضعه ، ولكن حمدت العاقبة بذهابهما ، وللّه الحمد . ومن ذلك : ما روى عن قيس بن عباد - بضم العين وتخفيف الموحدة - قال : كنت في حلقة فيها سعد بن مالك وابن عمر ، فمر عبد اللّه بن سلام فقالوا : هذا رجل من أهل الجنة ، فقلت له : إنهم قالوا كذا وكذا ، قال : سبحان اللّه ، ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم ، إنما رأيت كأنما عمود وضع في روضة خضراء ، فنصب فيها ، وفي رأسها عروة ، وفي أسفلها منصف - والمنصف الوصيف - فقال : ارقه ، فرقيته حتى أخذت بالعروة ، فقصصتها على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقال : « يموت عبد اللّه وهو آخذ بالعروة الوثقى » « 1 » . رواه البخاري .

--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 7010 ) في التعبير ، باب : الخضر في المنام والروضة الخضراء ، ومسلم ( 2484 ) في فضائل الصحابة ، باب : من فضائل عبد اللّه بن سلام - رضى اللّه عنه - .